واحة التاريخ و التراث

واحة للتعريف بالموروث الثقافي بالجنوب المغربي و في علاقة الإنسان بمجاله...

الأحد,نيسان 27, 2008


 تدبير الثروة المائية بالجنوب المغربي :
 فرض الجفاف بالجنوب المغربي على الإنسان استعمال عدة تقنيات للري، لأن استغلال الأرض كان يتطلب مجهودا إضافيا للتحكم في الماء كمادة نادرة تكتسي أهمية كبرى أكثر من الأرض. وقد اكتسب سكان المنطقة الجنوبية خبرة وتجربة طويلة في ميدان الري تعود إلى بداية الأنشطة الزراعية والرعوية للإنسان النيوليتكي صاحب النقوش الصخرية في يوكور وأوكايمدن. إذ أثبتت دراسات حبوب اللقاحpalynologieأن الإنسان بالجنوب المغربي عرف السدود البسيطة وأقامها حتى في المناطق الرطبة نسبيا. وعرفتها أيضا مناطق تيزي نتيشكا على علو 2197م خلال العصر البوري وبداية الشبه الأطلسي (2500-800ق.م). مما يدل على أن الإنسان أنشأ السدود لحقن المياه، لاستعمالها لشربه ولشرب حيواناته. وأهم المناطق المسقية بالجنوب المغربي خلال العصر الوسيط. الحوز، جبال درن وجزولة، سهل السوس، والواحات الصحراوية وأهمها واحتي درعة وسجلماسة. وتختلف تقنيات التحكم في المياه وتعبئتها تبعا لنوعيتها : مياه المطر والمياه السطحية والمياه الجوفية. وسنعطي مثالا لأهم تقنيات استغلال المياه الجوفية والمتمثل في نظام السقي بالخطارات.
 نظام الخطارات، وتوزيع الماء بواحة سكورة :
الخطارات تقنية فارسية انتشرت بشكل واسع في المغرب والأندلس وإفريقيا، ويقال عادة إن أحد المهندسين الأندلسيين هو الذي أنشأ الخطارات بالجنوب المغربي في عهد يوسف بن تاشفين وهو المهندس الأندلسي عبيد الله بن يونس. ومن خلال قراءة الإدريسي الذي أورد هذا الخبر تبين أن هذه التقنية كانت معروفة. إذ تحدث عن وجودها بالصحراء كذلك. وذكر مرادفها الأمازيغي هو" أََبُقْجَة". أما كولان فيعتقد أن يهود درعة هم الذين أدخلوا هذه التقنية إلى مراكش، والخطارة تقنية للري المتوسط. بينما الآبار وأغلب العيون للري الصغير.
إن مناخ المنطقة الذي يتميز بأمطار قليلة وغير منتظمة ( 50 إلى 200 ملم في السنة). إضافة إلى درجات الحرارة المرتفعة في الصيف والمنخفضة في الشتاء (من 45 درجة إلى 5)، كما أن التفاوت في درجات الحرارة اليومية بلغ (15 إلى 20 درجة)، التهوية المرتفعة باستثناء داخل الواحة حيث الأشجار التي توفر مناخا آخر. رياح قوية تهب من الشرق « الشركي ». أو من الجنوب الغربي « الساحل » كلها ظروف جعلت من الماء عنصرا هاما لدى السكان.
كل مياه الأمطار والثلوج المتساقطة في جنوب الأطلس الكبير، تتجمع في بحيرات تتدفق منها المياه نحو واحة سكورة، التي تمتد شمال وادي دادس على 15 كلم، واتساع 5 إلى 8 كلم. منابع المياه الجوفية بالمنطقة تستغل بواسطة وسائل تقليدية وأهمها شيوعا نظام الخطارات التي يصل عددها تقريبا إلى 64 فما فوق. ولكن هذا النمط القديم المتوارث والمقتبس من العرب كما تمت الإشارة إليه سابقا يختفي شيئا فشيئا، ستة منها أهملت تماما. هذه التقنية السقوية تعتمد على تجميع المياه عند سفح الجبل في آبار شاسعة، يحفرها الإنسان ثم تصل المياه إلى البساتين باتباع الانحدار الطبيعي للجبل،لتصب في صهريج أو حوض للتجميع وهي برك استخدمت لتجميع المياه قصد تنظيم السقي وتوزيع المياه على الحقول والبساتين. وذلك عن طريق السواقي أو « تِيرْكَا » بالأمازيغية وهي أيضا من المصطلحات التي اختفت بمنطقة سكورة في ظل تداول مرادفتها في العربية "السَّاكْيَة". وقد ذكر البكري في القرن الخامس أن أول منطقة بالصحراء كانت تسمى " تَارْكَا " وتسكنها قبيلة " تَزْكَاغْتْ "، وهو المكان المترجم بالساقية الحمراء فيما بعد. (أنظر الشكل رقم 1).
ويكتسي توزيع المياه في منطقة جافة، وشيه جافة تتميز بقلة الماء، أهمية لا تقل عن التقنيات المستعملة في استخراجه والتحكم فيه، ويمكننا أن نجاري صاحب "الاستبصار" أن الجنوب المغربي بلد تحقيق وتدقيق يتطلب توزيع المياه بحساب دقيق ولقد استعملت عدة مقاييس لتوزيع هذه المادة الحيوية. أهمها قياس حصص الماء بواسطة الساعات؛ إما ساعات الظل أو ساعات مائية.
هذه التقنيات تعود إلى الفترة الرومانية بدليل أن حصة من الماء تسمى إلى يومنا هذا بالأطلس الصغير « إِفِيلِي نْ وَامَانْ » بالأمازيغية أي خيط الماء، وهو المصطلح الذي كان يطلق عليه كذلك بالأندلس في صيغة "فيلا"Fila، ومعلوم أن أصل الكلمتين لاتيني.
وتوزيع المياه لا يقتصر على ذوي الحقوق فقط، بل يشترك فيه جميع أفراد القبيلة. وذلك حسب نظام استغلال مقنن خاصة القياس المعتمد على الساعات. ومن خلال ما سبقت الإشارة إليه يظهر جليا أن هناك أعرافا وقوانين تنظم توزيع الماء بين ساكنة المنطقة حسب عدة اعتبارات، إلا أنه رغم الأعراف والقوانين المنظمة لتوزيع المياه، كانت تحدث خلافات ونزاعات بين بعض سكان الجنوب المغربي على الماء خلال العصر الوسيط خاصة عندما لا تكون هناك سلطة تشرف على توزيع الماء ، كما حدث ببلاد القبلة (درعة وتافيلالت) في النصف الثاني من القرن السابع الهجري. حيث لاحظ العبدري الحاحي أن الفتن والحروب تحدث بين سكان "القصور" بهذه الناحية ،ويتجنبون مع ذلك الإضرار بمنشآت السقي في واحاتهم في القرن العاشر الهجري حسب شهادة الحسن الوزان.
وسنقدم نموذجا في استغلال مياه الخطارات بالمنطقة وكذا المقاييس المعتمدة والقوانين المنظمة لتوزيع المياه:
يقوم نظام الاستغلال على أسس قبلية بالأساس، فالقبيلة هي المالكة لجميع العيون، وهي ما يصطلح عليها بالمنطقة باسم "الَخْطَاطِرْ"*، حيث تقوم القبيلة بشراء قطعة "الفَدَّانْ"* من أحد الفلاحين، في حالة ما كانت هذه الأرض واقعة على الخط الذي تسلكه مياه الخطارة المنحدرة من الجبل على طول "أَدْوَالْ"*حيث يبلغ طول هذه الخطارة حوالي 2 كلم والعرض معمنسوب المياه، كما تجدر الإشارة إلى أنه إضافة إلى هذا الاستغلال القائم على شراء حصص الماء. فإن هناك نظام سقوي تقننه القبيلة حسب منسوب المياه داخل "الخْطَاطِرْ" ، وهو القائم على الاستفادة الجماعية من مياه الخطارات. هذه الاستفادة تتجلى في فتح المياه الجارية في الساقية إلى قطعة الأرض الفلاحية، حتى تعم المياه جميع "الفَدَّانْ"، ليقوم صاحب الأرض بغلق المياه عن حقله، لتمر إلى "الفَدَّانْ" المجاور له. وهكذا إلى أن تسقى جميع "الفْدَادِينْ" . ويحق لصاحب "الفَدَّانْ" التنازل عن حقه المشروع من حصة الماء من الدورة السقوية لصالح فلاح آخر، يحتاج إلى هذه الحصة، بشرط تنازل هذا الأخير عن حصته في الماء في الدورة القادمة في حالة طلب الأول رد حصته. إضافة إلى هذا الاستغلال الفلاحي فإن مياه الخطارة تستعمل أيضا في الاستغلال الذاتي والمتعلق بالأعمال المنزلية. وذلك في تنظيف التجهيزات، والتطهير، أو استغلاله كماء صالح للشرب.ولأن استغلال مياه الخطارات بالمنطقة يتم عن طريق بيع حصص الماء بقياس الساعات، فالفلاحين يعبرون عن هذا القياس بمصطلحات خاصة ومعينة بكل حصة ماء. ومنها ما يلي :
  •    ثلاثة "خْطَاطِرْ" : استغلال المياه لمدة 6 أيام أي ما يعادل 6 نوبات.
  •   "نُوبَة" : استغلال المياه خلال فترة الليل و النهار و تعادل 2 "فرديات"،أي 24 ساعة.
  •   "فَرْدِيَّة" : استغلال فترة الليل أو فترة النهار في السقي وتعادل 12 ساعة.
  •   "نَصْ فَرْدِيَّة" : استغلال المياه لمدة نصف نهار وتعادل 6 ساعات.
  •   "رْبَعْ فَرْدِيَّة" : استغلال المياه لمدة 3 ساعات.
هذا النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تمثل فيه القبلية المستثمر الأول في المجال الفلاحي، هو ما يفسر استمرار الازدهار الفلاحي بالمنطقة، هذا الازدهار الذي عرف تراجعا تحت وطأة الجفاف الذي يعصف بالأخضر واليابس. والملاحظ أنه رغم التعاقب الدوري فيصل منسوب مياه الخطارة في حالة التساقطات إلى 40 متر، وفي فترات الجفاف من 5 إلى 20 متر، ويتخلى الفلاح فقط عن القطعة الأرضية التي تشغلها "الخْطَاطِرْ" ؛ وتخول القبيلة مهمة تسيير "العِينْ" وكرائها للراغبين في استغلال مياهها حسب الحصص المتعارف عليها. وغالبا ما يكون هو نفسه من سهر على حفرها منذ البداية.وفي دوار "الْخَامْسَة" بالضبط نجد ثلاث عيون حفرت على طول الخطارة، منها "عِينْ المَالْكِيَّة " في ملكية "الْقَبَّابَة"، و"عِينْ الوَسْطَانِيَّة" فيملكية "الحَدَّادَة"، والتي تم ترميمها مؤخرا، ثم "عِينْ الثُلُثْ"  في ملكية "الزَّاوْيَة"، و"عْوِنْيتْ فَرَجِي".
وتلتقي هذه الخطارات في نقطة اصطلح عليها من طرف أهالي المنطقة باسم "المْرِيجَة"، هذه الخطارات التي تنتهي إلى "عِينْ تمَاَسْتْ " في اتجاه الشمال. هذه الأخيرة التي تمتد على طول واد الحجاج. ليتم استغلال مياهها في مناطق ؛"الشْبَّاكَة"، "أوْلاَدْ مْنِيعْ"، "أوْلاَدْ الشِيخْ عْلِي"، "سِيدِي عبد الجبار"، "أوْلاَدْ امْبَارْك". إضافة إلى "عِينْ المَخْزِنْ" التي يرجع تاريخها إلى العهد الاستعماري ،وتمتد من منطقة "إِمْغْرَانْ" لتغدي عدة مناطق، فالثلثين تتجه إلى وسط المنطقةعبر "أََمْزَّاوْرُو"،و "تَجَنَاتْ"، "تِيرْكِّيوْتْ"؛ أما الثلث الآخر فيتجه إلى مركز القيادة وهي التي اصطلح عليها حقيقة "عِينْ المَخْزِنْ"، ويتم اكتراء حصص الماء من طرف الأشخاص لأغراض فلاحية أو غير ذلك من أمور البناء والتشييد.
ويتفاوت استغلال حصص الماء من فلاح إلى آخر، بتفاوت قدرته المالية حيث نجد أن الفلاح الذي لا يملك سوى معاش يومه من الحقل،لا يستطيع أن يتجاوز حصة "فردية" إذا لم نقل أنه قد يكتفي فقط "بنَصْ فَرْدِيّة"  أو "رْبَع فَرْدِيّة"  ، تماشيا مع قدراته المادية، عكس الفلاح الميسور الذي قد يتجاوز استغلاله لحصة الماء حصة "فَردِية"  إلى حصة" نوُبَة " بكاملها أو حصة ثلاثة "خْطاطِر". فالأجنبي الذي يشتري قطعة أرضية من ممتلكات القبيلة. وذلك لبناء سكن عليها، هذا البناء الذي يلزمه شراء حصص الماء قد تصل إلى استغلال ثلاثة "خطَاطِر"  كأعلى حصة في التكلفة.
إن تعاقب الاعتمار والخراب لا يمكننا من الحديث عن حدوث تراكم في تقنيات الري وتطورها بالجنوب المغربي عامة؛ بل إن هذا التطور كان يتم بشكل دوري يكرر نفسه. مما يفسر تقلبات الاستغلال الفلاحي بالجنوب خلال العصر الوسيط، فكل شيء خاضع لدورة الموت والحياة مما يستلزم إحياء الأرض بعد مواتها. فأغلب الأرض هنا أرض موات لا بالمعنى الفقهي. بل تتطلب قوة سياسية في المجتمع القبلي- تحييها شأنها شأن العلم الذي يموت ويحيى، وشأن الدولة التي لها عمر كعمر الإنسان التي قال بها ابن خلدون.