عرف حوض دادس وواحة سكورة على وجه الخصوص، ظهور أنماط بناء في شكل تحصينات، عرفت تطورا بتطور الظروف الاجتماعية والاقتصادية بالمنطقة. وقبل القيام بتحليل للقصبات، ولتركيبتها ولخصائصها الجوهرية من الواجب بيان المصدر والسياق اللذين ظهرت فيهما، خاصة وأنها تجسد النموذج المعماري الخاص بوادي دادس.
مراحل ظهور القصبات وتطورها :
المرحلة الأولى : بظهور القصبات، ظهر أسلوب جديد متميز بأشكاله ومواصفاته، وأبعاده، ينسجم بمحيطه البيئي أيما انسجام. وقبل المراحل الأولى لظهور القصبات، عرفت المنطقة بروز استغلاليات فلاحية صغيرة ومحصنة، ذات طابع عائلي كقلاع لحراسة السواقي والحقول تحت إسم " إِغْرِمْ " أو " ألقْصِيبَة " أو"تِكِمِّي نِيكْرَانْ" باللغة الأمازيغية، أي "منزل الحقل". وما زالت بقاياها هنا وهناك وسط الحقول.
وتحيط العديد من المؤشرات، أن الشكل الحالي للقصبات، لم يكن يمثل النموذج الأصلي وإنما عرف عدة تطورات عبر مراحل مختلفة . فقد كانت في الأصل مجرد سكن محصن. ولم تزود بالأبراج إلا بعد خروجها من " القصر " وانتشارها خارجه. لكن الأكيد هو أن القصبات بشكلها الحالي ما هي إلا نتيجة طبيعية لتطوير شكل " القْصِيبَة " من مغفر للحراسة إلى مسكن عائلي محصن.
المرحلة الثانية: إن من الأسماء الأخرى التي كانت تطلق على القصبة اسم " التِغْرِمْتْ "، الذي هو مشتق من اسم "إِغْرِمْ" الذي هو" القصر" و "التغرمت" عبارة عن بناية سكنية عائلية، محصنة تتواجد بالأطلس الكبير قبل ظهورها في أودية دادس ومكون، وسكورة.ومع بداية القرن الثامن عشر، بدأت المنطقة تعرف ظاهرة جديدة وهي ظهور التجمعات السكنية المحصنة داخليا في سور، هذه الأماكن كانت تابعة لنخبة من مجتمع " إِغْرِمْ" (العائلات الميسورة) هي قصبات.
وعموما يمكن القول بأن هذه الإرهاصات الأولية كانت تتصف في مجملها بما يلي :
-
تواجد القصبة داخل الأسوار استعمال مختلف خدمات وتجهيزات " القصر" (إغرم ).
-
مواصلة حيازة بناية داخل « إغرم »، التي يمكن أن تكون مخبأ أثناء فترة الحروب أو مخازن اللعائلات.
-
حال هذه الأماكن مطبوع بتواجد ممر داخل البناية على شاكلة « إغرم » كوحدة سكنية مستقلة داخل الأسوار، يمكن أن يتواجد كمحطة وسطية لاستقلالية القصبة وانفصالها عن " إغرم ".وهنا يطرح سؤال عن أسباب تواجد هذه النماذج البنائية في منطقة تلوات قبل دادس، مكون وسكورة.
إن جواب ذلك، هو أن الوضع الجغرافي (المناخ - طبوغرافية المكان- وحدة جبلية...) لعب دور تحصين، وحاجز طبيعي ضد العدو، والذي عوض بذلك التجمعات السكانية داخل الأسوار.
المرحلة الثالثة: تميزت بانفصال القصبة عن "إِغْرِمْ"، وبذلك أصبحت "القصور" موطنا للفقراء والوافدين من الخدم، بعد خروج العائلات الميسورة من هذه الأخيرة وتعميرها للقصبات التي أصبحت سكنا نموذجيا فاخرا، تجلت فيه المتغيرات السياسية والاجتماعية الحاصلة في الواحات الجنوبية عموما، واحات دادس على الخصوص.
في نهاية القرن 19م، وبداية 20 كان الجنوب الشرقي المغربي تحت سيطرة أسرة "الكلاوي"، بعد تعيين "سيدي محمد الحبيب المزواري" على منطقة "أيْتْ وَاوْزْكِيتْ" في عهد السلطان مولاي الرحمن. وسيصبح خليفته "سيدي المدني الكلاوي" باشا مراكش، سيدا مهاب الجانب إضافة إلى "الخْلِيفَة" و"الشِيخْ"، الذين مارسوا سلطة تيوقراطية على ساكنة المنطقة، إلا أنهم لم يستطيعوا بسط سيادتهم على جميع المنطقة خاصة درعة التي كانت تحت سيطرة أيت عطا.
وكانت بداية تأثير الاستعمار على المنطقة منذ مارس 1931م، حيث تم التحكم في ساكنة درعة، ولعب هذا الأخير دورا هاما في تغيير النموذج التقليدي، ومنه يمكن اعتبار نزوح "الكلاوي" ومعاونيه إلى المنطقة وسياسته القمعية المتبعة؛ كانت من بين العوامل المساعدة على تسهيل مهمة القوات الفرنسية ويظهر ذلك أساسا من خلال:
-
تأسيس قاعدة عسكرية خارج "القصر" من طرف "الكلاوي" بعد استبعاد ممثل المخزن،مما أحدث نوعا من عدم التوازن في العلاقات الاجتماعية.
-
بناء المستعمرين لمركز عسكري إداري كمرحلة أولى لإحلال السلم، ثم محلات إدارية ومنازل صغيرة لإيواء الموظفين القائمين على أمور المنطقة، وتشكل هذه البنايات المركز الإداري الحالي.
المرحلة الرابعة: مع انفصال القصبة عن "إغرم"، ومع انغراسها خارج الأسوار أصبحت تعرف أبعاد فضائية متتابعة، وأصبحت محاطة بمجموعة من الأبعاد، مشكلة عدة وحدات فضائية داخل نفس البناية، حيث تتموضع القصبات السكنية عموما بشكل يجعلها تجد متكئا على الجبل تعطيه ظهرها، وتطل على الحقول، هذا الموقع يجعل المسالك الموصلة إلى "التِغْرْمِينْ". أي القصبات وعرة مما يسهل عملية الدفاع عنها ضد الهجومات، واجتناب الفيضانات، والحملات الطوفانية الموسمية، كما ساعد في الوقت نفسه على الحفاظ على الأراضي الصالحة للزراعة.
فموضع القصبات يرتكز على أسس نفعية ، يعكس المنهجية البنائية المتميزة بهذه المناطق، والمثير في هذا النهج، اندماج النماذج العمرانية داخل هذه البيئة الطبيعية بشكل كبير، يتجانس والمشهد الطبيعي العام للمنطقة؛ يتوسط المحور المائي المشهد الطبيعي، ويتكون من النهر وشبكته والسواقي المتفرعة عليه، فتترامى حوله الحقول والنماذج العمرانية وتنتشر الحقول الصالحة للزراعة على منبسطات ضيقة تغطيها أشجار اللوز والرمان التي عوضت أشجار النخيل.
أما التجمعات السكنية، فيختار لها عادة أن تكون على المرتفعات الجنوبية أو الشرقية، لتستفيد بشكل جيد من أشعة الشمس، والاحتماء من الرياح. هناك ظاهرة معمارية تثير التساؤل بمنطقة دادس، وهي تواجد الباب الرئيسي للقصبات بالجهة الشرقية؟ ويمكن تفسير هذا الوضع بكونه يدخل في قوانين البناء المتعارف عليها، حيث أن للقبلة مكانة هامة لدى المسلمين للتبرك، وتوفير مجال إضافي يغطيه ظل ما بعد الظهر أمام المنزل، والذي يستغل كمكان للجلوس، والاستقبال مثلا، أو كمرابط للدواب. زيادة على أن الواجهة الشرقية للبيوت، هي أكثر حماية من عوامل التأثيرات الطبيعية، كالأمطار والرياح والثلوج؛ هذا الموقع السائد للقصبات لا يستثنى منها القصبات المخزنية، التي يراعا في الغالب منها عنصر الارتفاع الطبيعي. بحيث تعتبر محطات وعلامات يستدل بها. وتتحكم أيضا في المساحات التابعة أو المحيطة بها، وكذلك لمراقبة كل الطرق المؤدية إليها عن بعد.
كتبها عبد الناصر بزضيك في 11:08 مساءً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: عبد الناصر بزضيك
